ضوابط اعتبار قول الأطباء وشهادتهم
ونعرض في هذا المطلب في نقاط إلى: الطبيب الجاهل الذي يحجر عليه واختيار التخصص الطبي، وقبول شهادة الطبيب المسلم، واعتبار قول الأطباء فيما يرجع للطب على النحو الآتي:
أولاً: الطبيب الجاهل يحجر عليه:
الطبيب الجاهل وهو مَن يسقي الناس في أمراضهم دواء مخالفاً يُفسد أبدانهم؛ لعدم علمه 1، أو الذي يسقي المريض دواء مُهلكًا علم به أو لا، أو إذا قوي عليه الدواء لا يَقدر على إزالة ضرره 2، أو الذي لا يعلم دواء الأمراض وتشخيصها ... 3.
وفي هذا الزمان بعد إنشاء كليات الطب ووجود المجالس الطبية الخاصة لامتحان الطب يمكن الاعتماد عليها في الإجازة الطبية من جهاتها
المختصة في جواز الممارسة وعدم اعتبار الطبيب جاهلاً، مع اشتراط المتابعة لحاله بحيث إذا ثبت عليه مرةً بعد مرةٍ إلحاق الضرر بالمرضى يُوقف عن ممارسة المهنة؛ لأنّه طبيب جاهلٌ، فيجب الحجر عليه، وتحديد ذلك من جهات مختصة عندها تشريعات واضحة في حفظ حق الطبيب والمريض، وهذا كله في رفع الضرر عن المجتمع
قال صدر الشريعة 4: «اعلم أن أبا حنيفة يرى الحجر على هؤلاء الثلاثة: ـ الطبيب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري المفلس ـ دفعا لضررهم عن الناس، فالمفتي الماجن: هو الذي يعلم الناس الحيل، والمكاري المفلس: هو الذي يكاري الدابة ويأخذ الكراء فإذا جاء أوان السفر لا دابة له فانقطع المكتري عن الرفقة».
فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم، والمتطبب الجاهل أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم 5.
ثانياً: يستحب للنساء اختيار تخصص يتعلق بالنساء:
من أكبر التحديات في الطبّ هي كشف العورات؛ لأن الجسم عند المسلمين محترم يجب صيانته وحفظه، وهو أمانة بين يدي صاحبه، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70]، وبالتالي كان جزء من الجسم عورة لا يجوز الإطلاع عليه لغير ضرورة؛ لا سيما للمرأة، فلا يجوز ابتذاله بكشفه
وتعريته، ويجب ستره: {يَابَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]، فكان الستر للعورة فرضاً، بحيث يحرم كشف العورات للأجانب وبغير ضرورة.
وحفظاً على المجتمع كانت العلاقات بين الرِّجال والنِّساء محددةً بأُطر معيَّنة، حتى يبقى المجتمعُ طاهراً عفيفاً، فلا يباح الاختلاط بلا ضوابط وحاجة، ولا يجوز التكشف بين الجنسين بلا ضرورة.
وبسبب الانتشار الكبير للأمراض، والحاجة الملحة لكلِّ فردٍ من مراجعةِ الطبيب، فلا بد من وجود نساء في جميع التخصصات الطبية من أجل كفاية حاجة المجتمع، فلذلك كان واجباً على الكفاية تأمين هذه الحاجة الطبيبة من دراسة الفتيات للطب بشتى تخصصاته لكفاية حاجة النساء، فلا يختلطن بالرجال، ولا ينكشفن عليهم.
ولا بدّ أن يكون التوجه الأكبر بالاهتمام بالتخصصات النسائية التي فيها اطلاع على العورات للنساء، بحيث تكفينا إياها النساء.
وهذا ما تكرر من كتب الفقه من طلب تعليم النساء لعلم الطب حتى يطلعن على العورات، ويحدد الداء والدواء المناسب له.
قال الزيلعيُّ 6 والعَينيُّ 7: «وينبغي للطبيب أن يعلم امرأة إن أمكن؛
لأن نظر الجنس أخف»، وزاد الموصلي في الاختيار7: 129: «لأنَّها أبعدُ من الفِتنة».
فكان المستحبّ لكل من يقدرن على التعليم أن يتعلمن الطب عموماً والتخصصات النسائية خصوصاً، وعلينا توجيه أخواتنا وبناتنا لذلك.
وأما الذكور فعليهم تجنب تَعلُّم ما يتعلق بالتخصصات النسائية، وإعطاء الفرصة للنساء في التخصص في هذا.
ثالثاً: تقبل شهادة الطبيب المسلم:
حال الطبيب كحال كافّة المتخصصين في أي فنّ، فيُعتبر قولهم فيه، ويُعدُّوا من الخبراء الذين يوجِّه إليهم القاضي بيان حقيقة الأمر، ويبني قضاءه على رأيهم.
وبالتالي يطلب القاضي رأي اثنين منهم؛ لأنها شهادة، ونصاب الشهادة اثنان، قال القُدُوريُّ 8: «وأما إذا كان العيب لا يقف عليه إلا الأطباء رجع إلى قول اثنين مسلمين ثقتين، فإذا شهدا بوجوده قبل قولهما؛ لأن الأمراض تعرف من جهتهم فرجع إليهم فيها».
وتثبت الخصوصة بقول الأطباء عندما يُبيِّنوا أنّ هذا عيبٌ، قال السَّرَخسيُّ 9: «ولا تُسمع الخصومة في ذلك ما لم يره العيب؛ لأنّ قيامَ العيب عند الخصومة شرطٌ لتوجه الخصومة وحقيقة معرفة ذلك بالمعرفة ممكن».
وبالتالي تصح الخصومة بقولهم، قال المَرغينانيُّ 10: «أو كان عيباً لا يعرفه إلا النساء أو الأطباء، وقولهن وقول الطبيب حجة في توجه الخصومة لا في الرد»، والردُّ لا يثبت بقول النساء أو الطبيب فيحتاج إلى الحجة 11.
وطالما أن الأمر متعلِّق بالقضاء والحكم، فلا بُدّ أن يكون الطبيبُ مسلماً، حتى يعتبر قوله؛ لأنه شرط الشهادة هو الإسلام، قال العمادي 12: «هل يقبل قول الذمي الطبيب في قدم العيب وحدوثه إذا لم يكن بالبلدة طبيب غيره ولا من يعلم ذلك العيب من المسلمين فأجاب لا يقبل قول الكافر على المسلم ولا يثبت بشهادته حكم على مسلم والله أعلم من الشهادات وفي مجموعة مؤيد زاده يقبل قول الأطباء من أهل الكفر أي في الخصومة واليمين».
وقال ابنُ نُجيم 13: «لا يقبل قول الكافر ولا يثبت بشهادته حكم على مسلم».
رابعاً: اعتبار قول الأطباء عند الفقهاء فيما يرجع للطب:
معلوم أنه يرجع لأهل الاختصاص في اختصاصهم، والفقه راعى هذا، فبنى أحكامه على أقوال الأطباء، وأخرى على أقوال الفلكيين، وأخرى على أقوال العسكريين، وأُخرى على أقوال التجار، وأُخرى على أقوال
السياسين وغيرهم؛ لأنّ الفقه بيان الحكم لسائر الأقوال والأفعال، فلا بدّ من الرجوع لمعرفة حقيقة القول والفعل من أهله، حتى يتمكن الفقهاء من بيان حكمه الشرعي، فعلم الفقه بني على علوم متعددة.
قال السَّرَخْسيُّ 14: «ونوع من ذلك عيب لا يعرفه إلا الأطباء فعلى القاضي أن يريه مسلمين عدلين من الأطباء؛ لأن علم ذلك عندهم، وإنما يرجع إلى معرفة كل شيء إلى مَن له بصر في ذلك الباب، كما في معرفة القيمة، والأصل فيه قوله تعالى {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْر إِنْ كُنْتُم لَاَ تَعْلَمُون} [النحل: 43]، ولا بُدّ من العدد في ذلك؛ لأنه قول ملزم كالشهادة».
والتعاملُ مع الفقه بمعزل عن سائر العلوم يخرجه عن تحقيق مقصوده، فلا يُمكن حينئذٍ أن تكون الأحكامُ الصادرُ منه صادقةً؛ لأنّ الحكمَ فرعُ فهم الشيء ومعرفته.
والأمور الطبية داخلة في العديد من الأبواب الفقهية من الطهارة والصلاة والصيام والحج والزواج والطلاق والحظر والجنايات والإباحة والقضاء والوصايا وغيرها مما يتعلق به أمراض الأجسام، قال الولوالجي 15: «والمرجع في الداء قول الأطباء».
ومن أمثله ذلك:
1.اعتبر قول الأطباء في النواقض للوضوء التي تخرج بألم كالدم، قال
الطحطاوي 16: «إذا علم أنه صديد أو قيح من طريق غلبة الظن بإخبار الأطباء أو علامة تغلب على ظن المبتلي يجب الوضوء».
2.اعتبر قول الأطباء في كيفية هيئة الصلاة المناسبة إذا كان مريضاً، قال القدوري 17: «قال الأطباء: عن صليت مستلقياً زال ـ المرض ـ جاز له الاستلقاء».
3.اعتبر قول الأطباء في المنافذ المعتبرة للجوف المعتبر في الصيام، قال الزيلعي 18: «والأظهر أنه مع أبي حنيفة، وهذا الاختلاف مبني على أنه هل بين المثانة والجوف منفذ أو لا؟ وهو ليس باختلاف على التحقيق والأظهر أنه لا منفذ له، وإنما يجتمع البول فيها بالترشح كذا تقول الأطباء». قال ملا خسرو 19: «والإقطار في أقبال النساء قالوا أيضا هو على هذا الاختلاف». وقال الطحطاوي 20: «والأظهر أنه لا منفذ له ـ الإحليل ـ أي كما هو قولهما، كذا تقوله الأطباء، وإنما أسنده إليهم؛ لأنّ هذا المقام يرجع إليهم فيه؛ لكونه من علم التشريح».
4.اعتبر قول الأطباء في تحقيق غلبة الظنّ عند الصائمة للفطر بشرب
دواء مُعيّن للشفاء مثلاً، قال شيخ الإسلام عطاء بن حمزة 21: «وسئل عن رضيع مبطون يُخاف عليه موته بهذا الداء، وله ظئر، ويزعم الأطباء أن الظئر إذا شربت هذا الدواء يبرأ هذا الصغير، وذلك في شهر رمضان هل يباح لها الإفطار لهذا القدر؟ فقال: نعم؛ إذا كان الأطباء بصيرًا بذلك؛ لأنه وقعت الحاجة إلى ذلك».
5.اعتبر قول الأطباء في جواز التداوي بالمحرم إن كان فيه شفاء، قال ابن نجيم 22: «المرجع فيه الأطباء، وقولهم ليس بحجة قطعية، وجاز أن يكون شفاء قوم دون قوم لاختلاف الأمزجة، حتى لو تعين الحرام مدفعا للهلاك الآن يحل كالميتة والخمر عند الضرورة»
6.اعتبر قول الأطباء في تحديد الموت والحياة، قال الحصكفي 23: «والصارف عن وجوب التعجيل الاحتياط قال بعض الأطباء إن كثيرين ممن يموت بالسكتة ظاهراً يدفنون أحياء لأنه يعسر إدراك الموت الحقيقي بها إلا على أفضل الأطباء فيتعين التأخير فيها إلى ظهور اليقين».
7.اعتبر قول الأطباء في تحديد عيوب الزوج للتفريق بين الزوجين، قال القدوري 24: «وأما إذا كان العيب لا يقف عليه إلا الأطباء رجع إلى قول اثنين مسلمين ثقتين، فإذا شهدا بوجوده قبل قولهما؛ لأن الأمراض تعرف من
جهتهم فرجع إليهم فيها».
8.اعتبر قول الأطباء في تحديد بعض أنواع الجنايات: في الصدر الشهيد 25: «إذا وقع الاختلاف بينهما فادعى المجني عليه ذهاب ضوء بصره وأنكر الضارب ذكر القُدُوري أنه قد يُعرف ذلك بنظر الأطباء إليه».
9.اعتبر قول الأطباء في شرح دواء من الحامل لمرض عندها أو للفصد أو الحجام، قال في الينابيع2: 282: «وإن أتى على حملها ستة أشهر، فأرادت أن تلقي العلق على ظهرها، سألت من الأطباء. فإن قالوا: لا يضر فعلت، وإلا فلا، وكذلك الفصد والحجامة».