ضوابط أحكام التداوي
ونعرض فيه حكم التداوي وأحكام التداوي بالمحرم ونظر الطبيب للعورات وضمان الطبيب لتعديه على النحو الآتي:
أولاً: التداوي مسنون إن ظن الشفاء وواجب إن تيقن النجاة من الهلاك:
ذكر الفقهاء أنّ مَن ترك التداوي حتى لا يأثم، ومَن ترك الأكل حتى مات أثم؛ لأنّ الشفاءَ بالتداوي مظنونٌ، فكان مسنوناً، والشبعُ بالأكل متيقنٌ، فكان واجباً.
قال المَرغيناني 1: «مَن امتنع من التَّداوي حتى ماتَ لم يَأثم؛ لأنّه لا يَقين بأن هذا الدَّواءَ يَشفيه، ولَعَلَّه يَصِحَّ من غير عِلاجٍ؛ لأنَّ الشِّفاءَ بالمعالجة مظنونٌ مع إمكان الصحّة بترك المعالجة، وأما الهلاك بترك الأكل فمقطوع»، ولأنَّه رُبّما يصحّ من غير معالجة، ورُبَّما لا تنفعه المعالجة، ثم التداوي جائز 2.
وقال الزَّيْلعيُّ 3: «أخبره طبيب بالدواء، فلم يتداو حتى مات لا يأثم، بخلاف ما إذا جاع، ولم يأكل مع القدرة عليه حتى مات حيث يأثم؛ لأن زوال الجوع بالأكل متيقن به باعتبار العادة، فإن الله أجرى العادة بإزالة الجوع، وخلق الشبع عند الأكل لا يتخلف عنه أصلاً، بخلاف المرض عند التداوي فإنه في حيز التردَّد».
وقال المَرغينانيُّ 4: «ولو مرض ولم يُعالج حتى مات لا يأثم، بخلاف الجائع إذا لم يأكل حتى مات بالجوع يأثم، وأما الشفاء في التداوي والمعالجة موهوم».
فعن أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كأنَّما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: تداووا، فإنَّ الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داء واحد الهرم» 5، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» 6.
فإن كان التداوي في بعض الأمراض إن لم يفعله يهلك يقيناً بشهادة الأطباء لا ظناً، فيأخذ حكم الطعام بالإثم في ترك التداوي للتقدم الهائل في علم الطب في زماننا.
ثانياً: التداوي بالمحرم محرمٌ في المعتمد وجائز في المعتبر إن كان فيه شفاء وانعدم المباح:
القول الأول: الاستشفاء بالمحرم حرام، فالتداوي بالمحرمات كألبان الأتن ولحومها مكروه ولو علم أن فيها شفاء، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية، واختارت بعض المتون والشروح والفتاوى، إلا بول ما يؤكل لحمه فيجوز عند محمد أبي يوسف؛ لورود النصّ فيه، واختاره القُدُوريّ 7.
واختار بعض المتون، قال الحلبي 8: «لا بمحرم كالخمر ونحوها»، والتُّمرتاشيُّ 9: «ولا يجوز بها التداوى».
وقال ابن نجيم 10: «ولا يخفى أن التداوي بالمحرم لا يجوز في ظاهر المذهب، أصله بول ما يؤكل لحمه فإنه لا يشرب أصلاً».
وفي «الولوالجية» 11، و «الفتاوى الكبرى» 12، و «الخانية» 13،
و «الملتقطات» 14، و «فتح باب العناية» 15: «والاستشفاء بالمحرم حرام».
وقال المَرغينانيّ 16: «لا ينبغي أن يستعمل المحرم كالخمر ونحوها؛ لأن الاستشفاء بالمحرم حرام».
والقول الثاني: الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، فالتداوي بالخمر والمحرم كالبول إذا أخبره طبيب حاذق أن الشفاء فيه جاز، فصار حلالاً؛ لأنه صار كالمضطر 17.
ففي «التهذيب»: يجوز للعليل شرب البول والدّم والميتة للتّداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطّبيب يتعجَّل شفاؤك به؟ فيه وجهان، وهل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوي؟ فيه وجهان، كذا ذكره الإمام التمرتاشي.
وقال برهان الشريعة 18: وما قاله الصدر الشهيد، فهو غير مجرى على إطلاقه، فإن الاستشفاء بالمحرم إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء أو كان هناك دواء غيره يجوز الاستشفاء به؛ ألا ترى إلى ما ذكر محمد في كتاب الأشربة: إذا خاف الرجل على نفسه العطش ووجد الخمر شربها، إن كانت
تدفع عطشه، ولكن يشرب بقدر ما يرويه ويدفع عطشه، ولا يشرب الزيادة على الكفاية.
وقد حكي عن بعض مشايخ بلخ أنه سئل عن معنى قول ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» 19، فقال: يجوز أن عبد الله قال ذلك في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تتكشف الحرمة عند الحاجة، ولا يكون الشفاء في الحرام، وإنما يكون في الحلال.
ولو أنّ مريضاً أشار إليه الطبيب بشرب الخمر، روى عن جماعة من أئمة بلخ أنه ينظر: إن كان يعلم أنه يقينا يصح، حل له التناول، وقال الفقيه عبد الملك حاكياً عن أستاذه: أنه لا يحل له التناول» 20.
وجَوَّز أبو الليث بيع الحيات إن انتفع بها في الأدوية، هذا بناء على القول بجواز التداوي بالمحرم، بشرطه وإن لم ينتفع بالحيات في الأدوية لا يجوز بيعها، ورده في البدائع بأن جواز البيع عند الانتفاع بها في الأدوية، غير سديد؛ لأن المحرم شرعاً لا يجوز الانتفاع به للتداوي كالخمر 21، قال الكاساني 22: «لا يجوز الانتفاعُ بها بالمداواةِ وغيرها؛ لأنَّ اللّه تعالى لم يجعلْ شفاءَنا فيما حرَّم علينا».
وقال العَيْنيُّ 23: «قال فخر الإسلام البزدوي: فعل الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، أما إذا علم أن فيه شفاء وليس له دواء آخر غيره يجوز الاستشفاء به. وقال في «الفتاوى»: التداوي بلبن الأتان إذا أشار إليه لا بأس به».
واختاره صاحب «الهداية» في «التجنيس»، فقال: «إن الحرمة ساقطة عند الاستشفاء كحل الخمر والميتة للعطشان والجائع».
وقال عبد الرحيم المقدسيُّ 24: «لا ريب أنَّ الحُرمة منكشفة عنها لدى الاضطرار، وما ورد من النهي فمحمول على عدمه».
وقال الحصكفيُّ 25: «وقيل: يرخص إذا علم فيه الشفاء ولم يعلم دواء آخر، كما رخص الخمر للعطشان، وعليه الفتوى».
وقال السَّناميُّ 26: «التداوي بالخمر أو بحرام آخر إن لم يتيقن فيه الشفاء لا يجوز بلا خلاف؛ لأن الحرمة بيقين لا تترك بالشك في الشفاء، وإن تيقن بالشفاء فيه وله دواء آخر سواء قيل: لا يجوز أيضاً؛ لعدم تحقق الضرورة، وإن تيقَّن بالشفاء فيه، ولا دواء له سواه، قيل: لا يجوز، وقيل: يجوز قياساً على شرب الخمر حالة العطش».
وقال الزَّيْلعيُّ 27: «يجوز التداوي بالمحرم كالخمر والبول إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء، ولم يجد غيره من المباح ما يقوم مقامه والحرمة ترتفع للضرورة فلم يكن متداويا بالحرام فلم يتناوله».
وعلَّق الحَلَبيُّ 28 على القول بالحلّ: «لكن فيه كلامٌ كما لا يخفى تأمَّل».
وفيما سَبَقَ يظهر جلياً أنّ في التداوي بالمحرم قولين مشهورين، فالأول وهو الحرمة معتمدٌ، والثاني وهو الحلّ معتبرٌ، فيمكن العمل بهما والاستفادة منها على حسب ما تقضيه المصلحة.
وعلى قول الحرمة يجوز للضرورة، وعلى قول الحل يجوز التداوي ابتداء طالما أنه علم فيه شفاء ولم يجد دواء مباحاً، وهذا ما تشهد به العبارات السابقة من الإطلاق، بخلاف ما قرَّر عبد الغني النابلسي أنه فلا فرق بين القولين؛ لأنهم جوزا للضرورة، فلو كان الأمر هكذا لما وجدناهم يختلفون هذا الاختلاف، قال النابلسي: «لا يظهر الاختلاف في كلامهم لاتفاقهم على الجواز للضرورة، ولذا قال والدي في «شرح الدرر»: إن قوله: لا للتداوي محمولٌ على المظنون، وإلا فجوازه باليقيني اتفاق، كما صَرَّح به في «المصفى».
قال ابنُ عابدين تعقيباً عليه 29: «وهو ظاهر موافق لما مر في الاستدلال لقول الإمام، لكن قد علمت أن قول الأطباء لا يحصل به العلم، والظاهر أن
التجربة يحصل بها غلبة الظن دون اليقين إلا أن يريدوا بالعلم غلبة الظن وهو شائع في كلامهم تأمل».
وما ذكره إسماعيل النابلسي محلّ نظر من جهة أنّ الكلَّ يقول بالجواز عند تيقُّن الشَّفاء، سواء قصد باليقين القطع أو الظنّ الغالب؛ لأنه على هذا الفهم لم يَعُد محرماً عند الكلّ بغير ضرروة طالما أنّ الفقهاء قالوا: يحصل به الشفاء، وهذا بعيدٌ مخالفٌ ما هو مقرَّرٌ من خلاف في المسألة.
والنقاش هنا مختلف عن الخلاف في مسألة شرب بول الإبل؛ لأن الخلاف فيهما بين أئمتنا الثلاثة مبني على فهمهم العرنيين هو: «أنَّ أناساً من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في إثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا» 30، في دلالته على الطهارة مطلقاً فيجوز شربه والتداوي بهكما قال محمد، ودلالته على جوازه للتداوي فيجوز التداوي به، أو أنه حكاية حال لمعارضته لغيره من الأدلة القائلة بنجاسته مطلقاً، فيكون التداوي به مكرورهاً.
وهكذا اختلفوا في رجلٍ أَدْخَلَ مَرارةً في أُصْبعه مُتداوِيًا فكَرِهَه أبو حنيفة، ولم يكرهاه، وذلك مبنيٌّ على مسألة التَّداوي بأَبوال الإبل 31، و بقول أبي يوسف أخذ الفقيه أبو الليث 32.
ثالثاً: نظر الطبيب إلى العورات لمرض جائز بشروط:
الأصل فيه: عدم جواز نظر الرجل للمرأة الأجنبية بشهوة.
واستثنوا أربعة للضرورة، وهم: الخاطب والقاضي والشاهد والطبيب، ونظر الطبيب والشاهد مختلف عن الخاطب والقاضي، فالخاطب والقاضي، والشاهد للوجه والفرج، والطبيب للوجه وغيره مطلقاً.
قال الزَّيْلعيُّ 33: «لا يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة أجنبية مع الشهوة؛ إلا للضرورة إذا تيقن بالشهوة أو شك فيها، وفي نظر القاضي إذا أراد أن يحكم عليها أو الشاهد إذا أراد أداء الشهادة، وفي نظر الطبيب إلى موضع المرض ضرورة».
وتفضيل الكلام في النظر في ثلاثة نقاط:
الأول: المواضع المرخص النظر إليها:
ورُخِّص للطبيب النظر ضرورةً إحياءً لحقوق الناس، ودفعاً لحاجتهم، وهذا النظر يشمل:
1.موضع المرض، قال النَّسفيُّ 34: «وينظر الطّبيب إلى موضع مرضها»، وجاز للطبيب تعمد النظر إلى الفرج إذا احتاج إلى مداواته، فيجوز النَّظُرُ إلى الفَرْجِ للخاتِنِ والقابلة، والطَّبيب عند المعالَجة، ويمس الطبيب عند الحاجة إليه بغير شهوة 35.
2.موضع الختان، قال ابنُ نُجيم 36: يباح «نظر الخاتن إذا أراد أن يداوي مع الختان».
3.موضع الخافضة؛ لأنها مكرمة في حق النساء 37.
4.موضع الاحتقان للمرض؛ لأنه مداواة، قال ملا مسكين 38: «ينظر الرجل إلى موضع الاحتقان من الرجل عند الحاجة إليه، ويجوز الاحتقان للمرض والهزال الفاحش»؛ لأنه أمارة المرض.
الثاني: شروط نظر الرجل للعورة:
1.أن يكون لمرض لا لغيره، قال صدرُ الشريعة 39: «ورجلٍ يداويها، فينظرُ إلى موضعِ مرضِها بقدرِ الضَّرورة»، فإن كانت لغير مرض لم يجز النظر
سواء للرجل أو المرأة، قال ابن عابدين 40 والطحطاوي 41: «فلو احتقن لا لضرورة، بل لمنفعة ظاهرة بأن يتقوى على الجماع لا يحل».
2.أن لا توجد امرأة قادرة على العلاج؛ لأن نظر الجنس أخف، وهذا إن أمكن، قال ملا مسكين 42 والحدادي 43: «ولكن ينبغي أن تعلم المرأة مداواتها فإذا لم يجدوا امرأة تداوي تلك المرأة ولم يقدروا على امرأة تعلم ذلك إذا علمت وخافوا أن تهلك أو يصيبها بلاء أو وجع لا تحتمله فلا بأس».
3.أن يخشى الهلاك أو ألم لا يحتمل، قال علاء الدين ابن عابدين 44: «نظر قابلة وختان وحقان إذا لم يمكن الحصول على امرأة تحقنها، ولو خيف هلاك المريضة من جرح في فرجها أو وجع لا تحتمله .. ».
4.أن يستر ما عدا موضع المرض، قال الرازي 45 وملا مسكين 46: «إن احتيج إلى نظر الطبيب إلى عورة الرجل أو المرأة، فإنه يُستر عنه ما سوى موضع الحاجة إليه».
5.أن يغض بصره ما استطاع عن غير موضع المرض، قال الزَّيْلَعي 47: «يغض بصره عن غير ذلك الموضع ما استطاع؛ لأنّ ما ثبت للضرورة يتقدر بقدره» 48.
الثالث: الأعذار المبيح النظر للعورة:
لا يحل النظر إلى ما تحت السرة إلى الركبة من الرجل والمرأة لأحد من غير عذر، فإذا جاء العذر حلّ النظر، والأعذار:
1.حالة الولادة، ولا بأس للقابلة أن تنظر إلى فرجها.
2.حالة الاختتان، للرجل أن ينظر من الرجل موضع الاختتان منه عند الحاجة.
3.إذا أصابه قولنج واحتيج إلى حقنه.
4.إذا أصاب امرأة قرحة في موضع لا يحل للرجال أن ينظر إليها ... يباح للرجل أن ينظر بشروطه السابقة؛ لأن الضرورة تندفع بها، وسواء فيها ذات المحرم وغيرها.
5.فرج امرأة العنين إذا قالت بعد سنة: لم يصل إلي وأنا بكر، فالقاضي يريها النساء 49.
رابعاً: يضمن الطبيب بعلاجه بقدر تعديه:
لو كان الطبيبُ يضمن مطلقاً لما مارس أحدٌ مهنةً الطب؛ لأنّ طبائع الناس مختلفة، وتحمُّلُها للعلاج متفاوتٌ، فلذلك كان الاعتبار في ضمان الطبيب في تقصيره وتعدِّيه، فما هو مأذونٌ به بالقدر المُعتاد لا يَضمن فيه، وإن زاد عن المعتاد فتسبب بهلاكٍ وضررٍ، فإنه يَضمن بقدر هذا التَّعدِّي عن المعتاد.
قال الإزميري 50: وهل يضمن إذا أتلفه بعلاجه؟ ففي «الفتاوى»: رمدت عين، رجل، فعالجها بأمره طبيب، فزالت منفعة عينه، فإن ثبت أنه طبيب حاذق في الطب وأنه عالجه على المعتاد ... لا ضمان عليه، وإن ثبت أنه طبيب جاهل عالجه على خلاف المعتاد .. ضمن له دية عينه.
والأصل ههنا: أن الطبيب والجرّاح والفصاد والحجام ليس عليهم ضمان السراية إذا لم يعالجوا ولم يقطعوا زيادة على قدر المعتاد المعهود المأذون فيه.
فإن شرط على هؤلاء الفعل السليم دون الساري، فالشرط فاسد؛ لأنه ليس في وسعهم ذلك، كذا في ضمانات «العمادية» و «الفصولين».».
وقال القُدُوريُّ 51: «وإذا فصد الفصّاد أو بزغ البزّاغ ولم يتجاوز الموضع المعتاد، فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك».