الطب الديني
نعرض في هذا المطلب لثلاثة نقاط قصيرة عن أهمية الجانب الروحي في الشفاء والانعكاس الكبير له على المرضى على النحو الآتي:
أولاً: الطب على نوعين: طب الروح والنفس وطب الجسد:
طب الروح والنفس وظيفة الأنبياء، ويخلفهم علماء الشرع في السير على طريقهم.
وأمراض النفوس لا يخلو منهم إنسان بخلاف مرض الجسم، فيقع فيه بعض الناس.
وتشخيص أمراض النفس لا يَقدرُ على القيام به إلا أكابر علماء التزكية والتربية الذين قضوا حياتهم في تتبع نصوص الشَّرع الحكيم والتَّعلم لطريقة الأنبياء في شفاء النَّاس؛ لأنّ الأطباءَ الحقيقين لأمرض البشرية
جماعات وأفراداً هم الأنبياء، وقد بعثهم اللهُ تعالى للقيام بهذه الوظيفة التي لا يقدر على القيام بها غيرُهم.
قال الغَزاليُّ 1: «أمراضُ القلوب لا يمكن علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشَّريعة، وهي وظائفُ العبادات والأعمال التي ركَّبها الأنبياء صلوات الله عليهم لإصلاح القلوب، فمَن لا يُداوي قلبَه المريض بمعالجات العبادة الشرعيّة واكتفى بالعلوم العقليّة استضرّ بها، كما يستضرُّ المريضُ بالغذاء».
والعلماء قد استولى عليهم المرض، فالطبيب المريض قلَّما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الدَّاء عضالاً، والمرضُ مزمناً، واندرس هذا العلم، وأنكر بالكلية طبُّ القلوب وأُنكر مرضها، وأقبل الخلق على حبِّ الدنيا، وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءات، فهذه علامات أصول الأمراض.
فلا بدّ معاجلة أمراض النفوس والقلوب؛ ليستقر المجتمع وتطمئن النفس، وعلامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها، فإن كان يعالج داء البخل، فهو المهلك المبعد عن الله تعالى، وإنّما علاجه ببذل المال وإنفاقه، ولكنه قد يبذل المال إلى حدِّ يصير به مبذراً، فيكون التبذير أيضاً داء، فكان كمَن يُعالج البرودةَ بالحرارة حتى تغلب الحرارة، فهو أيضاً داء، بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة، وكذلك المطلوب الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط، وفي غاية من
البعد عن الطرفين.
وإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور، فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يُضاده، فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل: أن يكون إمساك المال وجمعه ألذُّ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق البُخل فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحقّ ألذ عندك وأخفُّ عليك من الإمساك بالحقِّ، فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك.
فلا تَزال تُراقب نفسك، وتستدلُّ على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطعَ علاقةُ قلبك عن الالتفات إلى المال، فلا تميل إلى بذله، ولا إلى إمساكِه، بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج، ولا يترجَّح عندك البذل على الإمساك، فكلُّ قلب صار كذلك، فقد أتى الله تعالى سليماً عن هذا المقام خاصّة، ويجب أن يكون سليماً عن سائر الأخلاق حتى لا يكون له علاقة بشيءٍ مما يتعلَّق بالدُّنيا حتى ترتحل النَّفس عن الدُّنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفتة إليها ولا متشوقة إلى أسبابها، فعند ذلك ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد الله المقرَّبين من النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقاً 2.
والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب، وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد، ومهما
اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان، وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية، فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب، وفي مرضها فوت حياة باقية أولى.
وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كلِّ ذي لب؛ إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها، ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها، فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} وإهمالها هو المراد بقوله: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:10] 3.
فعلى العقلاء أن يلتفتوا لمعالجة باطنهم؛ لأنها السبب الأقوى في عامة مشاكلهم الظاهره، لا أن يهتموا بمعالجة ظواهرهم، مع بقاء علل أمراضهم الباطنة.
ثانياً: الشافي هو الله تعالى لا الدواء:
لا بُدّ من الاعتقاد أن الشافي هو الله تعالى لا الدواء؛ لأنّ الأمر كله بيده تعالى، وهذا المعتقد نافع لصاحبه في الطمأنينة، وأنّ مرضَه ابتلاءٌ من الله تعالى وامتحان منه سبحانه، وهو الشافي.
قال سراج الدين 4: «الاشتغال بالتداوي لا بأس به إذا اعتقد أن
الشّافي هو الله تعالى، وأنه جعل الدواء سبباً، فأما إذا اعتقد أنَّ الشَّافِيَ هو الدواء فلا».
ولا يقال: إن التداوي ينافي التوكل، ونحن أمرنا بالتوكل؛ لأنا نقول الأمر بالتوكل محمول على اكتساب الأسباب. قال الله وتعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25] والله تعالى يقدر على أن يرزقها من غير هذا 5.
ثالثاً: المرض رحمة يبتلي الله تعالى عباده لتطهيرهم:
المرض رحمةٌ من رحماته سبحانه لعباده لتطهيريهم من الذنوب، وليس نقمة ولا عذاباً، فعلى المسلم أن يستقبله برحابة صدر؛ لأنه تعالى إن أحب عبداً ابتلاه ليقربه له.
فعن أنس - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» 6.
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» 7.
لذلك أشد الناس بلاء الأنبياء والصالحين، فعن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل
فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة» 8.
وعن عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» 9.
والمرض يكون كفارة للمسلم عن ذنوبه، حيث يتطهر المسلم به، ويكون قريب لربه بالدعاء والابتهال، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» 10.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وصب ـ دوام الوجع ولزومه ـ المؤمن كفارة لخطاياه» 11.
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمرض مؤمن، ولا مؤمنة، ولا مسلم ولا مسلمة إلا حط الله به خطيئته» 12.
وعن أسد بن كرز - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر» 13.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليبتلي عبده بالسقم حتى يكفر ذلك عنه كل ذنب» 14.
ومن يصبر على المرض ويحتسب ينجح في امتحانه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله ادع الله لي فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك؟ قالت: بل أصبر ولا حساب علي» 15.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أحد من الناس يُصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله عز وجل الملائكة الذين يحفظونه، قال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير ما كان في وثاقي» 16.
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ابتلى الله عز وجل العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله عز وجل للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، وإن شفاه غسله وطهره وإن قبضه غفر له ورحمه» 17.
وفهم المسلم أنّ المرض ابتلاء من الله تعالى من أجل تطهير ذنوب اقترفها، ولأنه تعالى أحبه واصطفاه وأراد منه أن يبقى قريباً منه بالدعاء، وأن نجاحه في امتحانه بالصبر والابتلاء يخفف عنه شدّة المرض وألمه؛ لأنه يعلم أنه يعيش في رحمات الله تعالى، والمرض رحمة منها.