ضوابط المرض المرخص وقول الطبيب الحاذق فيه
ونعرض في هذا المطلب للمرض المرخص، وخوف المرض يعرف بغلبة الظن، وغلبة الظن تتحق بقول طبيب معتبر على النحو الآتي:
أولاً: المرض المرخص زيادته وتأخره وخشيته:
هذا ضابط للمرض الذي يرخِّص لصاحبه الانتقال لحكم آخر في سائر الأبواب من الطهارة والصلاة والصيام وغيرها، وبالتالي يلحقه ضرره لذلك، ومثل هذه الضرر يجوز معه الانتقال لحكم آخر لا يلحقه بسببه ضرر.
وهذا الضرر قد يكون بهلاك النفس أو العضو أو تأخر البرء أو زيادة المرض؛ لأنه يوقعه في الحرج، ولأن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء وذلك يبيح التيمم فهذا أولى 1، وقال الزيلعي 2: «والصحيح الذي يخشى أن يمرض بالصوم فهو كالمريض»، ولا تنافي بينهما؛ لأن الخشية
بمعنى غلبة الظن بخلاف مجرد الخوف، كما في النهر الفائق2: 28، وقال ابن الهمام 3: «لو كان نوبة حمى فأكل قبل أن تظهر يعني في يوم النوبة لا بأس به».
وقال ابن كمال باشا 4: «ومريض خاف المعتبر غلبة الظن زيادة مرضه كيفاً كانت أو كماً».
فلو خاف المريض في المصر على نفسه باستعمال الماء في الوضوء والغسل جاز له الانتقال للتيمم.
ولو كان خاف زيادة المرض بالحركة للماء لا بالاستعمال يتيمم؛ لأنه لا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك أو بالاستعمال 5.
ولو خشي زيادة المرض بالصيام بقول طبيب حاذق جاز له الفطر.
ثانياً: خوف المرض يُعرف بغَلَبة الظن.
فلا بد من غلبة ظن في بناء الأحكام، قال التمرتاشي 6: «غلبة الظن تعمل عمل اليقين في حق وجوب العمل»، وهذا الغلبة لا بُدّ لها من مرجِّح لا هوى، وهذا المرجِّحُ هو التجربة وإخبار الطبيب، قال الشُّرُنْبلاليُّ 7: «الخوفُ المعتبر ما كان مستنداً لغلبة الظنّ بتجربة أو إخبار طبيب».
ويكون الخوف باجتهاد المريض، والاجتهاد غير مجرد الوهم، بل هو غلبة الظن عن أمارة 8.
ثالثاً: غلبة الظن تتحقق بأمارة أو تجربة أو قول طبيب حاذق.
الإمارة هي علامة ظهرت له، مثل: أعراض معينة تظهر للمريض تدلُّ على المرض.
والتجربة تكون السابقة منه مع هذا المرض أو بتجربة من شخص آخر يشاركه في نفس المرض، قال ابن الهمام 9: «ولو كانت من غير المريض عند اتحاد المرض».
رابعاً: قول طبيب حاذق معتبر:
وهاهنا لما حدَّد الفقهاء ضابط المرض واشترطوا تحقق الخوف عند مدعي المرض بغلبة ظنه بوجود وصف المرض كانت أبرز الطرق المرشدة له لهذا الظنّ هي طبيب حاذق.
وفسَّروا الحاذق: أي له معرفة تامّة في الطب، فلا يجوز تقليد ممن له أدنى معرفة فيه؛ لأننا نريد تحصيل غلبة الظنّ عند المبتلى بهذا الخبر من
الطبيب، وذلك لأن الأحكام إنما تناط بغلبة الظن لا بمجرد الوهم 10، وبالتالي اتفقوا على شرط أن يكون طبيباً ماهراً، يتحصل بكلامه غلبة الظنّ.
واختلفوا في إضافة شروط أخرى له كالإسلام والعدالة على النحو الآتي:
الأول: اشتراط الإسلام، وهو قول عامة المتأخرين: كالسغناقي 11 والعيني 12، ونسباه للقاضي، والسمنقانيّ 13، والبابرتي 14، وابن الهمام 15، وملا خسرو 16، والزيلعي 17، وقال ابن نجيم 18 والسندي 19: «إخبار طبيب حاذق مسلم، كما في الفتاوى الظهيرية».
لكن نبه عمر ابن نجيم بأن الشارح الزيلعي أتى بهذا القيد من الظهرية، وليس موجود في ظاهر الرواية، فقال 20: «وبه جزم الشارح ولم يقيد في «الكتاب» الطبيب بغير الحاذق قال في «الظهيرية»: وهذا عندي محمول عل المسلم دون الكافر كمسلم شرع في الصلاة بالتيمم فوعده كافر إعطاء الماء فإنه لا يقطع الصلاة لعل غرضه إفساد الصلاة عليه فكذا في الصوم».
وقال ابنُ عابدين 21: «وقيل: عدالته شرط، وجزم به الزيلعي، وظاهر ما في «البحر» و «النهر» ضعفه «ط»».
وبالتالي يظهر أن الإسلام هي تخريج من صاحب «الفتاوى الظهيرية» والقاضي، بناء على مسألة وعد الكافر للمسلم بإعطاء الثوب، وينبغي أن يكون مبنى هذه المسألة المذكورة مختلف؛ لأنه لا يخرج من صلاة متيقن صحتها بشك من دفع الثوب إليه، وفي مسألة الطبيب المقصود تحصيل الظنّ، وهذا الظنّ يمكن أن يحصل أيضاً بإخبار طبيب غير مسلم؛ لذلك لم يتشرطه المتقدمون.
والثاني اشتراط العدالة، وهو قول بعض المتأخرين، فذكرها الزَّيْلَعيُّ 22، والعَيني 23، والقاريُّ 24: «طبيب حاذق عَدْل عند أَبي حنيفة»،
والطحطاويُّ 25: «إخبار طبيب حاذق مسلم عدل، وقيل: يكفي المستور».
لكن الشُّرُنُبلالي اكتفى بأن يكون غير ظاهر الفسق: أي مستوراً؛ والمستور هو مجهول الحال لم يظهر له فسق ولا عدالة، كما قال ابن الهمام 26، فقال الشُّرُنْبُلالي 27: «غير ظاهر الفسق، وقيل: عدالته شرط، كذا في «البحر» وجزم به في «البرهان»» 28، وقال الميدانيُّ 29: «إخبار مسلم عدل أو مستور حاذق».
وهذا ما صرَّح به الحصكفيُّ 30: «بإخبار طبيب حاذق مسلم مستور» 31.
والظاهر أن شرط العدالة هو تخريج من المتأخرين كالزيلعي والعيني وغيرهما بناء على شرط العدالة في الشاهد، والطبيب يكون شاهداً في مسائل أخرى، فيشترط فيه العدالة، ولكن مسألتنا ليست مسألة شهادة، وإنما تحقيق غلبة الظنّ عند المريض.
الثالث: عدم اشتراط الإسلام والعدالة في الطبيب، وهو قول المتقدمين وبعض المتأخرين، كالولوالجي 32، والصدر الشهيد 33، وسراج الدين 34، والمرغيناني 35، والشمني 36، وجوى زاده 37، ونبه الزاهدي 38: وقيل: إسلام الطبيب شرط، وذكر ملا مسكين 39 القولين: «بإخبار طبيب، كذا في «الخلاصة»، وفي «النصاب» بإخبار طبيب حاذق مسلم»،
وبالتالي ذكر المتأخرين الإسلام هو الخلط بينها وبين مسألة الشهادة من الطبيب؛ إذ لا بُدَّ حينئذٍ من العدالةِ والإسلام؛ لكونها شهادةٌ، وهي تنفيذُ القول على الغير رضي أو لم يرض، وهذا من الولاية، ولا ولاية للمسلم على الكافر.
ومسألتنا متعلَّقة بتحقيق غلبةِ الظَّنِّ يُعرف اجتهادٍ بأن يعلم من نفسه أن حُمَّاه زاد شدّةً أو عينه وجعاً 40 أو من تجربةٍ سابقةٍ له أو تجربةٍ لغيره أو بإخبارِ طبيبٍ، وهذا الإخبار من الطبيب يتحصل من الطبيب الحاذق
بالدرجة الأولى، والإسلام والعدالة تفيد زيادة الطمأنينة، ولا تمنع من تحقق الظن؛ فمثلها مفيدة لتقوية الظنّ، لكن إن تحقَّق الظن بدون ينبغي أن يجوز، ولذلك لم يشترطها المتقدمون.
وقال الجُرجانيُّ 41: «وقد قال من مشايخنا: يُقبل قولُ الأطباء من أهل الكفر».
وبالتالي يكون كلام ابن عابدين رد المحتار2: 422: «وإذا أخذ بقول طبيب ليس فيه هذه الشروط وأفطر، فالظاهر لزوم الكفارة كما لو أفطر بدون أمارة ولا تجربة؛ لعدم غلبة الظن والناس عنه غافلون»، إذا قصد به اشتراط العدالة والإسلام، فهو محل نظرّ؛ لأنها الظاهر أنهما ليسا بتخريج صحيح معتبر في المذهب يُعوَّل عليه.